مجمع البحوث الاسلامية
286
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أهل الكشف والشّهود وأهل الحجاب والكلام ، إلى غير ذلك ممّا جاء في النّصوص ، والآيات تعمّ أهل الحقّ والضّلال من كلّ فريق ، وجد أو سيوجد إلى يوم القيامة ، وكلّ ما ذكروه تأويل ليس غير . ثالثا : جاء الوصف بثلاث صيغ : أولاها : ( الأبيض ) : مرّة في ( 4 ) مع ( الأسود ) وصفا للخيط وعلامة للفجر ، ليمسك الصّائم عن الأكل والشّرب عنده . والفجر فجران ، الأوّل : الفجر الكاذب ، لبطلانه بعد مكث قليل ؛ إذ يخرج في الأفق عمودا ، ثمّ يبطل باستبداله ببياض معترض كالخيط الأبيض ، فيتميّز عمّا حوله من السّواد ، ويشكّلان معا خطّين - لاحظ الطّباطبائيّ - فهذا أوان الصّوم وصلاة الفجر ، وقد فهم بعض الصّحابة الآية ببلوغ السّفور إلى حدّ يتميّز فيه الخيط الأبيض عن الخيط الأسود ، فبيّنها لهم النّبيّ عليه السّلام . وقد فسّرها بعض الفقهاء قديما كالأعمش بالنّهار واللّيل ، ولكنّ الإجماع استقرّ على خلافه . ثانيتها : ( بيضاء ) : جاءت ستّ مرّات : خمسا معجزة لموسى وصفا ليده اليمنى في ( 5 - 9 ) ، ومرّة وصفا لكأس يشربها أهل الجنّة في ( 10 ) . يأخذونها بيدهم اليمنى طبعا ، فاليد اليمنى مشتركة بين الموقفين كوصف « بيضاء » . وجاءت نكرة دائما إشعارا بعظمها وشدّة ضوئها ، وليذهب ذهن السّامع إلى كلّ مذهب ممكن ، وهي فضل اللّه ورحمته في الجميع : ظهر معجزة لموسى في موقف ، ورحمة لأهل الجنّة في موقف آخر ، فجوهرها واحد ومظاهرها متعدّدة . أ - أمّا معجزة موسى فقد أمر أن يدخل يده في جيبه ، فتخرج بيضاء تضيء للنّاس ، وفيه بحوث : 1 - قيّدت ( بيضاء ) في ( 5 ) و ( 6 ) و ( 7 ) بقوله : مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ، * أي ليس بياضها لمرض كالبرص ، بل هو نور من اللّه تعالى وآية على صدقه . 2 - جاءت « اليد البيضاء » مع جعل العصا ثعبانا آيتين وبرهانين لموسى في أربع منها : ( 5 ) و ( 8 ) و ( 9 ) و ( 10 ) . وجاء هذان من جملة تسع آيات له إلى فرعون وقومه في ( 6 ) ، ولا تختلفان إلّا في الاختصاص هاتين الآيتين بفرعون ومن عنده من السّحرة ، والآيات السّبع الباقية تعمّ فرعون وقومه . 3 - الآيات الثّلاث : ( 5 - 7 ) جاءت تحمل أمر اللّه لموسى بإبراز هاتين الآيتين كتجربة له أمام اللّه ، والآيتان ( 8 ) و ( 9 ) تحملان الإتيان بهما أمام فرعون كبرهانين ، فالآيات طائفتان : تجريبيّة وبرهانيّة . 4 - اختلف التّعبير في الطّائفة الأولى ، ففي ( 5 ) : وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ ، وفي ( 6 ) : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ، وفي ( 7 ) : اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ، فهل فيها نكتة ، أو هي صرف تفنّن في الكلام ؟ والجواب : أنّ هذه كلّها ترجمان لما خاطب اللّه موسى بلغته ، عبريّة كانت أم قبطيّة . ومهما كانت فلم تكن عربيّة حتّى يسأل خاطبه اللّه بأيّ هذه الألفاظ ، ولم بدّلها بألفاظ أخرى ؟ فإنّه لم يخاطبه بشيء منها ، بل بلغة أخرى غيرها . أمّا سرّ ترجمتها بثلاثة ألفاظ ، فإنّها تحكي استيعاب واستعداد تلك اللّغة لنقلها إلى هذه الألفاظ ، كما تحكي استيعاب وسعة اللّغة العربيّة عامّة ، وكلام اللّه خاصّة